وعزّ الشرق أوّله دمشق

الأحد، 16 يونيو، 2013

نصر الله والأسد: الحجر والخابية

 في خطابه الأخير اقتبس الأمين العام لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، المثل الشعبي الشهير: "حجر يسند خابية"؛ وكان سياق كلامه يفيد بأنّ الحزب (وهو الحجر هنا، الذي اجتاح بلدة القصير السورية) قدّم مساعدة لجيش النظام السوري (الخابية، التي عجزت عن دخول القصير طيلة حصار استغرق شهوراً)؛ لأنّ ذلك الجيش "يقاتل على مختلف الأراضي السورية"، مواجهاً "الهجمة العالمية الكونية". ورغم أنّ زلات اللسان ليست ضمن عادات نصر الله الخطابية، ومهاراته البلاغية لا يُشقّ لها غبار، فإنّ أحد تأويلات الاقتباس يمكن أن يفضي إلى التالي: الخابية تتداعى، على نحو أو آخر، حتى أنها باتت بحاجة إلى حجر يسندها... إلى حين، كما قد يقود المنطق البسيط.

تأويل آخر قد يرى العكس، فيذهب ببساطة إلى أنّ الخابية ثابتة مكينة، ودور الحجر لا يتجاوز ترسيخ ما هو ثابت أصلاً، بدلالة تأكيد نصر الله أنّ "حزب الله" هو آخر المتدخلين في سورية؛ فيردّ تأويل ثالث بمساجلة على هذا النحو مثلاً: حتى إذا صحّ أنه آخر المتدخلين، فهل التأخر يلغي الضرورات التي أدّت إلى التدخل، أخيراً، من حيث حاجة الخابية إلى حجر؟ وأمّا تأويل رابع، فقد يذهب إلى أنّ لجوء نصر الله إلى استخدام مفردة الحجر (وليس "البحصة" أو "الحصوة"، كما في التنويعات الأخرى الأكثر أمانة للمثل الشعبي)، مقصود تماماً، لأنّ دور مقاتلي "حزب الله" في اجتياح القصير كان أوسع نطاقاً، وأشدّ فعالية، من أن يُختزل إلى محض حصاة، تقبع في ظلّ خابية!

وجهة أخرى للتأويل، هي العودة بالذاكرة إلى آخر مناسبة شهدت سيرورة معاكسة: أنّ الخابية (جيش النظام السوري) سندت الحجر (مقاتلي "حزب الله")، سواء ضدّ إسرائيل (العدوّ المشترك، لفظياً على الأقلّ، لكلّ من النظام والحزب)، أو ضدّ معارضي الحجر، وهم كثر، وتكاثروا منذ 1982؛ فلم تقتصر المنازعات معهم على أبناء المذاهب أو الأديان الأخرى، إذْ ضمّت الشيعة أيضاً، ومنظمة "أمل" في المقام الأشهر. وتلك مناسبة ليست نادرة فقط، بل لعلها غائبة تماماً بأيّ معنى يشبه الخدمة العسكرية الكبرى التي أسداها الحزب للنظام في القصير، ويواصل استكمالها هنا وهناك في العمق السوري.

غياب المناسبة لا يحول دون استذكار بعض مفارقاتها، ليس إحقاقاً لحقوق الذاكرة الجَمْعية للشعبين السوري واللبناني، والتي انتُهكت مراراً، وابتُذلت وقُزّمت، فحسب؛ بل كذلك لأنّ صاحب "الوعد الصادق" يفترض، كما بات جلياً في أقواله ما بعد القصير، أنّ تلك الذاكرة قصيرة حسيرة، أو هي اندثرت تماماً. وهكذا، يُستذكَر ذلك اليوم من شهر آب (أغسطس) 2006، في أوج العدوان الإسرائيلي على لبنان، حين وصل وليد المعلّم، وزير خارجية النظام، إلى بيروت (عن طريق حمص ـ طرابلس، لأنّ الطيران الإسرائيلي كان قد دكّ طريق دمشق ـ بيروت). آنذاك صرّح المعلّم بأنّ النظام "يقول أهلاً وسهلاً" للحرب الإقليمية، خصوصاً وأنّ "سورية بدأت تستعدّ، ولا نخفي استعدادنا، وسنردّ على أي اعتداء اسرائيلي فوراً"؛ وأنه، شخصياً، مستعدّ أن يكون "جندياً عند السيد حسن نصر الله".

الأرجح أنّ الأخير لم يكن سعيداً بتجنيد هذا المتطوّع بالذات، في رخاء السلم كما آنذاك في شدّة الحرب، لأسباب تتجاوز بكثير تلك الاعتبارات المبدئية التي تخصّ اللياقة البدنية للمقاتل. والأرجح كذلك، بل المنطقيّ البسيط، أنّ نصر الله كان سيسعد، أكثر، لو أنّ وحدات الهندسة في جيش النظام السوري بادرت (لكي لا نقول: تحدّت آلة العدوان الإسرائيلية!) فأصلحت طريق بيروت ـ دمشق عند نقطة المصنع؛ لا لكي يدلف منها المعلّم إلى لبنان، بل لكي تُستأنف من جديد حركة العبور الطبيعية بين البلدين، ويُتاح للمهجّرين خصوصاً أن يجدوا بعض الملاذ الآمن لدى أشقائهم السوريين.

وبالطبع، مَن يصغي إلى المعلّم وهو ينذر بأنّ ردّ النظام العسكري (الخابية إياها، للتذكير) سوف يكون فورياً، يخال أنّ إسرائيل لم تكن حتى تلك الساعة قد اعتدت على السيادة السورية، أو حلّقت فوق القصور الرئاسية، أو قصفت داخل العمق السوري، أو مارست الاغتيال الفردي لبعض القيادات الفلسطينية الإسلامية اللاجئة في دمشق ( لم تكن إسرائيل، يومذاك، قد اغتالت عماد مغنية في قلب دمشق، ودمّرت مجمع "الكبر" في ظاهر دير الزور)... ولعلّ المرء ذاته سوف يخال أنّ جيش النظام قادر، بالفعل، على الردّ الفوري وإنزال أفدح الخسائر بالعدوّ، وما امتناعه عن ذلك إلا لأنّ العدوّ لم يتجاسر على الاعتداء؛ أو، حسب الحكمة الرسمية الشائعة، لأنّ "القيادة السورية" لا تقع في فخّ الاستفزاز، وهي التي تحدد مكان وزمان الردّ!

والحال أنّ الفخّ هو ذاك الذي انساق إليه "حزب الله"، حين كفّت أحجاره عن مساندة الخوابي المواجهة للعدوّ الإسرائيلي، فانخرطت في حرب بشار الأسد ضدّ الشعب السوري، في القصير وحمص والغوطة وحلب وإدلب ودير الزور. هي، إلى هذا، وضمن أنساق المقاومة التي سيبتدعها السوريون في وجه ذلك الانخراط، وخاصة على مستوى المجتمع المدني قبل ذاك العسكري، أحجار غازية لن تلقى طيب العيش على غرار حجر تميم بن مقبل: تنبو الحوادث عنه، وهو ملموم!

الاثنين، 10 يونيو، 2013

القصيدة والبربرية: من الضاحية إلى القصير

في أواخر تموز (يوليو) 2006، وتعقيباً على آثار العدوان الإسرائيلي البربري على لبنان عموماً، والضاحية الجنوبية بصفة خاصة، طرح الصديق الشاعر اللبناني عباس بيضون سؤالاً لافتاً حقاً: هل من الممكن كتابة قصيدة عن الضاحية الجنوبية؟ وبالطبع، كانت بعض تفريعات السؤال ذاته تفيد التالي: هل من الممكن لأية قصيدة أن تلتقط مشهدية الدمار في الضاحية؟ وكيف للشاعر أن يفتش هناك "عن عشبة في الشقوق، عن منديل وسجادة مهدبة، عن مسبحة وعصا مكسورة"، كما كتب بيضون؛ خصوصاً وأنّ "حساب الزلازل والانفجارات الكوكبية وهيجانات الطبيعة أمور لا مفردات لها"؟ و"هل يمكن لشاعر أن يقول شيئا عن مساحات مهدمة تحتاج إلى توبوغرافي، إلى فلكي، إلى مخطط مدن، إلى سينمائي، إلى كومبيوتر أكثر منها إلى شاعر"؟

أجدني، اليوم، أستعيد السؤال ذاته، وكامل تفريعاته، بصدد مشاهد الدمار التي حاقت ببلدة القصير السورية، بعد حصار طويل وقصف بربري بدوره، أعقبه غزو خارجي واحتلال عسكري نفّذه مقاتلو "حزب الله"؛ ثمّ استباحة البلدة، وتلك المشاهد الفاضحة لجنود النظام السوري وهم يحملون ما خفّ وزنه أو ثقل، من أثاث منزلي ومعدّات كهربائية وبضائع مختلفة منهوبة. وكان محتماً، إلى هذا، أن يهيمن سؤال جديد، وليد واقعة فريدة حقاً: كيف أمكن لبعض أهل الضاحية الجنوبية، ضحايا البربرية الإسرائيلية، أن يوزّعوا الحلوى على المارّة، احتفاء بـ"سقوط" المدينة ذاتها التي لجأوا إليها، ذات يوم غير بعيد، جرّاء الوحشية الإسرائيلية؟ وماذا تفعل القصيدة إزاء هذا التفصيل، الذي لا يحضّ على واحد من إغواءات الشعر الأقدم في التاريخ، أي حسّ المفارقة، فحسب؛ بل يحضّ على واحد من أقصى، وأقسى، التمثيلات المأساوية لتناقضات النفس البشرية؟

المرء، هنا، يستعيد أيضاً ذلك السجال الكبير، والخطير، الذي دشّنه الفيلسوف الألماني اليهودي تيودور أدورنو ذات يوم، حين أطلق عبارته الرهيبة: "كتابة الشعر بعد أوشفتز أمر بربري"؛ حول ما إذا كان الشرّ المطلق يفرض قيوداً على الفنّ المسلّح بالوجدان، أو المتكيء على الضمير. صحيح أنّ أدورنو لم يقصد ذلك المعنى الحرفي، والاختزالي تماماً، الذي رسّخته التأويلات التبسيطية للعبارة؛ إلا أنّ جوهر الفكرة، كما طوّرته فقرة قصيرة من مقال شاقّ حول النقد الثقافي، لم يكن يتعارض جوهرياً مع "الحكمة" التي استمدها الفهم الشعبي العريض من عبارة ذهبت مذهب القول المأثور: أنّ الشعر الذي أنتجته ثقافة ما قبل أوشفتز، لا يجوز (وذاك أمر بربري) أن تعيد إنتاجه ثقافة ما بعد أوشفتز. ولهذا فإنّ عمل ريشارد شتراوس "أربع أغنيات أخيرة" هو الذي كان في ذهن أدورنو حين أطلق تلك العبارة الصاعقة، قبل أيّ شعر أو فنون كتابية أخرى.

لكنّ روح السؤال تبقى قائمة، بل تكتسب سلسلة أبعاد تخصّ اللحظة العربية الراهنة، في زمن الانتفاضات الشعبية، وربما السياقات الأخصّ للعلاقات السورية ـ اللبنانية: هل يمكن للمثقف (والشاعر بالذات، في المضمار المخصصّ الذي تتناوله هذه السطور) أن يفرز ـ وفق أيّ أسس سياسية أو عقائدية، أو في ضوء انحيازاته الشخصية على اختلافها ـ مشاهد خراب الضاحية الجنوبية سنة 2006، عن مشاهد القصير 2013؟ وكيف لأيّ فرز، إذا تحقق، أن يُكتب شعراً، أو ينتج إبداعاً ما، بالمعنى الأوسع الذي قصده أدورنو، دون أن يقع في مظانّ أخلاقية ذات صلات صارخة بالفارق بين مساندة الحقّ أو الاصطفاف خلف الباطل؟ وباستثناء رثاء الممالك، والوقوف على الأطلال، كيف للحساسية الشعرية المعاصرة أن تتفادى ما هو سياسيّ مباشر، وفاجع إنسانياً، وشاخص بعنف بصري رهيب؛ أو أن تتحاشى اعتباره "غرضاً" و"موضوعة" شعرية بامتياز؟

هذه حال تتجاوز، بكثير، ما قصده أمير الشعراء أحمد شوقي (في قصيدة عن سورية، ودمشق، أيضاً!)، حين اعتذر من اليراعة والقوافي، لأنّ "جلال الرزء عن وصف يدقّ"؛ وإنْ كان عسر التعبير هو أحد تجليات الحال ذاتها، عن قصيدة هيهات لها أن تبحث، وسط ركام الضاحية، "عن عشبة بين الشقوق، عن دمية، عن مسبحة، عن عباءة، عن مكحلة، عن أدوات زينة"، كما كتب بيضون. ذلك لأنّ "السياسيّ" قد يدفع بشاعر ما إلى التعاطف مع "حزب الله" عقائدياً، أو ربما مباركة غزوته في القصير؛ فهل يتيح له "الشعريّ" خيارات مماثلة، تجبّ ما بعد الضاحية الجنوبية من دمار، وتكتفي بما بعد القصير من "انتصار"؟ صحيح أنّ منحازاً من هذا الطراز قد يكون جديراً بلقب "البوق" أكثر من "الشاعر"، إلا أنه قد يكون معلّماً في البلاغة، قابضاً على أسرار الكيمياء المباشرة بين الشعر والخطابة، قادراً على كتابة قصيدة حماسية لاهبة، تحوّل الدمار إلى انتصار، في الضاحية أسوة بالقصير!

يبقى، مع ذلك، أنّ ثقافة مقاومة الطغيان، ومثلها مواجهة البربريات المعاصرة أياً كانت أنماطها، هي إحدى أبرز محرّضات ارتقاء الفنون. وإذا لم تكن هذه الروحية ـ التي تمسّ معيش البشر اليوميّ، وتكبّف آمالهم وآلامهم، وتحيلها إلى أقانيم إنسانية كونية ـ قادرة على تخليق قصيدة فذّة، حول قصف الضاحية مثل اجتياح القصير؛ فكيف، سوى هذا، يولد أيّ شعر عظيم؟

الخميس، 6 يونيو، 2013

معركة القصير: سقوط الهالة.. بعد إماطة اللثام

 إذا لم يكن امرؤ ما ديماغوجياً بالفطرة، يخلط حابل الغد بنابل اليوم والأمس، خبط عشواء؛ وهو ليس موالياً أعمى للنظام السوري، أو لأيّ من حلفائه، وخاصة "حزب الله" وإيران، دون استثناء روسيا بالطبع؛ وليس "يسراوياً" بالمعنى الأشدّ ابتذالاً للمفردة، ما يزال يرى الانتفاضة السورية "صناعة صهيو ـ أمريكية"، تشارك في تنفيذها قطر والسعودية و"القاعدة"، فضلاً عن دول الاستعمارَين القديم والجديد في الغرب، وما تبقى من قوى سايكس ـ بيكو... فإنّ أيّ امرىء لا يتحلى بواحد من هذه الميول، أو بها جميعها متشابكة متراكبة، ويمتلك من حسّ الضمير والعقل مقدار الحدّ الأدنى، سوف يحتفظ من تغطيات دخول "حزب الله" إلى بلدة القصير السورية، بتلك المشاهد التي تصوّر الدمار التامّ، المذكّر بذلك الخراب العميم الذي حاق بمدينة مثل "غرنيكا" الإسبانية، سنة 1937؛ أو مدينة هوي، ثالث مدن فييتنام، سنة 1968.

فإذا كان المرء سورياً، وليس بالضرورة ابن أيّ من بقاع الجولان المحتلّ، فإنّ من العسير عليه استبعاد مشاهد تقويض بلدة القصير، بسبب عمليات القصف الجوي (أكثر من 80 غارة مباشرة)، والصاروخي (حيث لم يتردد النظام في استخدام الـ"سكود")، والمدفعي (بالدبابات والمدفعية الثقيلة والراجمات)، طيلة ثلاثة أسابيع متعاقبة؛ بالمقارنة مع مشاهد تدمير مدينة القنيطرة، على يد الاحتلال الإسرائيلي، خلال حرب 1973. ثمة فارقان، هنا، مع ذلك: أنّ إسرائيل كانت عدوّ السوريين، والعرب، التاريخي، ومخفر الولايات المتحدة والإمبريالية العالمية المدلل المدعوم بالسلاح والمال، أوّلاً؛ وأنها دمّرت المدينة بعد الانسحاب منها، وليس على رؤوس ساكنيها المدنيين العزّل، ثانياً.

وقد يرفع "ممانع" عقيرته بالشكوى من أنّ المقارنة مع إسرائيل غير واردة، أو هي ليست "وطنية"، أو "غير لائقة"، حتى إذا جاز القول إنّ قوّات النظام الموالية صارت عدوّة الشعب السوري منذ أن قابلت احتجاجاته السلمية بالذخيرة الحية، قبل الانتقال إلى استخدام صنوف الأسلحة كافة. بيد أنّ ذلك كله لا يلغي وجاهة المقارنة، بالمعاني المادّية المحسوسة والملموسة والمرئية، بين خراب وخراب؛ أياً كانت وجاهة السجال في "وطنية" استذكار العدوّ الإسرائيلي إزاء ممارسات النظام السوري الوحشية، أو في "أخلاقية" وضعهما على مصافّ متوازية من حيث استهداف البشر والحجر والزرع والضرع، وعدم التعفف عن تسخير أيّ سلاح ناري، وأية طاقة تدميرية، بما في ذلك الغازات السامة والأسلحة الكيماوية، لإلحاق أقصى الأذى بـ"العدوّ"... كما تقول لغة إعلام النظام في وصف المعارضة، المدنية منها أو المسلحة.

أمّا إذا كان المرء في عداد 40 ألفاً من أبناء القصير، وغالبيتهم الساحقة من النساء والشيوخ والأطفال، ممّن حوصروا في البلدة على امتداد ثلاثة أشهر، وشهدوا من الأهوال والأرزاء ما يتوجب أن يندى له أيّ جبين ذي ضمير؛ فما الذي يتبقى في نفس ذلك المرء من "وطنية"، إذْ يشهد بعض مقاتلي "حزب الله"، ممّن سبق له أن ألجأهم في بيته إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006، وهم يستبيحون البيت ذاته، ويعيثون فيه ذبحاً وتدميراً؟ وماذا يقول في بعض أهل الضاحية الجنوبية، في بيروت، ممّن فتحت لهم القصير صدور أبنائها قبل أبوابها وبيوتها، مراراً وتكراراً منذ الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، وهم يوزّعون الحلوى احتفاءً باجتياح... القصير؟

وهنا، أيضاً، هل ألحق العدوان الإسرائيلي خراباً بالضاحية الجنوبية يماثل (وقد يقول البعض: يفوق) الخراب الذي حاق ببلدة القصير، ويوزّع أنصار "حزب الله" الحلوى احتفاءً به؟ وإذا كانت المعركة بين إسرائيل والعرب، سوريين ولبنانيين خاصة، تضرب بجذورها عميقاً في تاريخية القضية الفلسطينية، وفي كفاح الوجود ـ أو حتى الحدود، لم يشاء! ـ مع الكيان الصهيوني الاستيطاني والعدواني، وظهيرته الإمبريالية العالمية، وما إلى هذه وسواها من عناصر الصراع؛ ثمّ إذا كانت المعركة بين الشعب السوري وسلطة "الحركة التصحيحية"، الأمنية والعسكرية والمالية، قد اتضحت طبيعتها، فانتفى منها أي لبس حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه النظام على قاعدة "الأسد، أو نحرق البلد"؛ فما المعركة التي ينتشي لها "حزب الله"، إلى هذه الدرجة الهستيرية، في هذه البلدة تحديداً: القصير، ملاذ شيعة الجنوب اللبناني، وبعلبك، والضاحية الجنوبية؟

وهيهات لامرىء عربي، في المقابل، أن يمتلك من طاقات التسامي على جذور العقيدة والمذهب والشعور والعصبية، أو مخلّفاتها المترسبة عميقاً في التربية العائلية والذاكرة الفردية والجَمْعية؛ فلا يرى في إسقاط القصير على هذا النحو، وتخريبها بهذه الوحشية، جولة جديدة للنزاع السنّي ـ الشيعي، وتداعيات متجددة لثارات عمرها يرتدّ إلى 1400 سنة خلت. لا يكفي أن يوظّف حسن نصر الله، الأمين العام لـ"حزب الله"، كامل طاقاته في البلاغة والخطابة حول تنزيه أنصاره عن حميّة النوازع الشيعية في قتالهم داخل سورية؛ ولا يكفي أن يتحذلق أمثال نعيم قاسم، نائب الأمين العام، بالقول مثلاً: "نحن نواجه التيار التكفيري لأنه لا يمثّل السنة بل الإرهاب، ونحن مستعدون لأوسع العلاقات بين السنّة والشيعة وجميع المسلمين، وسنحافظ عليها بوجه التيار التكفيري الغاصب".

يكفي، في المقابل، أن ينصت المرء إلى ما يردده جمهور "حزب الله"، أثناء مراسم تشييع أحد قتلاه، من عبارات تفتقر بالضرورة إلى مهارات نصر الله اللفظية وحذلقة قاسم التجهيلية، ولكنها توفّر التعبير الأصدق عن الباطن المذهبي المشحون الذي اكتنف ذهاب ذلك القتيل إلى القصير (وليس إلى السيدة زينب، للتذكير!). وأمّا إذا أراد مستزيد أن يستزيد، فله أن يتابع شريط العميد محمد خضور، الضابط في جيش النظام الموالي، وهو يخطب في بعض أبناء قريتَي "نبّل" و"الزهراء"، من أعمال ريف حلب، فيهتف: "سنقاتل تحت راية الحسين!"؛ وذلك على مرأى ومسمع من ممثّلي الدولة، محافظ حلب وأمين فرع حزب البعث هناك (وكلاهما "علماني" من حيث المبدأ البعثي، لكي لا يذكّر المرء بأنهما من السنّة أيضاً).

بيد أنّ القصير ليست الفصل الأحدث في الهاوية السياسية، وكذلك الأخلاقية والإنسانية، التي ينحدر إليها "حزب الله" حثيثاً، لأسباب باتت جلية ولا تحتاج إلى فذلكة تحليلة، فحسب؛ بل هي، أيضاً، موقعة فاصلة أتاحت تجريد تلك الهالة المقدّسة التي ظلّ البعض يصرّ على اعتبارها سمة، لازمة مطلقة وأزلية، لصيقة بهذه "المقاومة" العجيبة التي استدارت ببنادقها من مواجهة العدوّ الإسرائيلي إلى القتال ضد "عدوّ" جديد اسمه الشعب السوري. ولهذا فإنّ معركة القصير لا تُصنّف في باب "الانتصار" إلا عند امرىء من الطراز الذي استعرضته الفقرة الأولى في هذا المقال، ولا حاجة لسرد الاعتبارات التي تجعل "انتصار" الحزب في القصير، بمثابة هزيمة له على كلّ جبهة أخرى، عسكرية كانت أم سياسية وأخلاقية، في المواجهة مع إسرائيل أم في مواجهة الضمير العربي والإسلامي السنّي الذي عاضد "حزب الله" طويلاً، حتى آن أوان إماطة اللثام.

وموقعة القصير ليست تلك المعركة التي تتيح للنظام السوري أن يبتسم، كما توقّع البعض، أو أن ينتقل إلى الهجوم المضادّ؛ لسبب أوّل يقول، ببساطة، إنها كانت أشبه بمعركة العين ضدّ المخرز، خاصة بعد أن وضع "حزب الله" كامل أثقاله في القتال، وقامر بخسران الكثير مقابل اجتياح مدينة أطلال. هنا يخون التعبير لسان الشيخ نعيم قاسم، فيكشف النقاب عن أنّ اتضاح "الخطر الداهم" على النظام السوري، وليس البتة على "حزب الله"، هو العامل الذي حتّم الدخول في المعركة، على هذا النحو المكشوف الفاضح: "نحن لا ندافع عن نظام سورية، وهو المسؤول بالدفاع عن نفسه، إنما ندافع عن مشروع المقاومة الذي تمثّله سورية، وقد دخلنا متأخرين وصبرنا لنرى النتائج، وعندما وجدنا الخطر داهماً، رأينا أنّ من واجبنا التدخل عندما شعرنا أن الخطر داهم على المستوى الستراتيجي".     

سبب ثان، معروف بدوره، هو أنّ القصير اكتسبت بُعداً رمزياً، وأيقونياً في الواقع، أعلى بكثير ممّا تردّد عن مكانتها الديموغرافية، أو مكانها الجيو ـ ستراتيجي، في رقعة الصراع العسكري بين فصائل "الجيش السوري الحرّ" من جهة، وقوّات النظام الموالية، ومقاتلي "حزب الله" من جهة ثانية. ولقد انجرّت المعارضة السورية إلى سيرورة الترقية الرمزية والأيقونية تلك، عن حماس خاطىء كما يتوجب القول، بحيث استسهل البعض الحديث عن "معركة فاصلة" تحسم مسارات مصير الانتفاضة السورية بأسرها، وكأنّ القصير تعادل تحرير حلب أو حمص أو اللاذقية، أو حتى دمشق ذاتها. ولا ريب في أنّ صمود أهل القصير الملحمي، والقتال البطولي الذي خاضته كتائب المقاومة في داخل البلدة وعلى تخومها، لم يسهم في تظهير صورة واقعية للقتال، بل ارتقى به إلى المستويات الأسطورية العالية وحدها.   

وكما كانت ابتسامة بشار الأسد باهتة، حين زار حيّ بابا عمرو الحمصي، الذي اجتاحته قوّاته بعد تطبيل وتزمير (اقتضى من نصر الله أن يدلي بدلوه فيه، فيقول ما معناه: لا شيء يحدث في حمص)، وكانت ابتسامة مؤقتة تماماً، لأنّ الحيّ حُرّر مجدداً؛ كذلك فإنّ أية ابتسامة مماثلة سوف تلقى المآل ذاته، أغلب الظنّ، مع فارق أنها هذه المرّة سوف تكون أدنى إلى تظهير المزيد من مكوّنات تأزّم حلفاء النظام، وليس قوّاته الموالية وأجهزته وميليشياته فقط. وكما كان "حسم" النظام في بابا عمرو يتوسّل التلويح بالقبضة العسكرية الثقيلة أمام مداولات مجلس الأمن الدولي، بصدد أوّل مشروع قرار حول سورية آنذاك؛ فإنّ "حسم" القصير كان يستهدف الدخول الصاخب على خطّ الاجتماع التمهيدي الأوّل لـ"جنيف ـ 2"، من جهة؛ وتذكير الناخب الإيراني المحافظ، عشية المناظرات الأولى بين مرشحي الرئاسة هناك، في طهران، بأنّ "حزب الله" هم الغالبون... هنا في القصير!

.. وهنا، في القصير، كانت العين السورية تواجه مخارز شتى: النظام، في أشرس توظيف لآلته العسكرية الإيرانية والروسية، وميليشياته الطائفية، وقطعان الشبيحة والمرتزقة؛ و"حزب الله"، في ذروة قصوى من انفضاح "سلاح المقاومة" الذي قيل إنه لن يستدير إلى الداخل في أيّ يوم، فأعطى تمريناً تمهيدياً على بطلان ذلك الوعد حين استدار لتوّه على الشعب السوري، الشقيق الذي ألجأ أهله ومقاتليه؛ وشراذم المأجورين، الطائفيين، زاعمي حماية المقامات الروحية، و"اللّطامين" من المهووسين بالقتال "تحت راية الحسين"...

العبرة في المآلات، مع ذلك، لأنّ المعادلة ليست مقتصرة على مقاومة العين للمخرز، حين تقتضي الحال على غرار ما شهدت القصير، بل هي في عين تواصل الشخوص إلى أمام، إذْ تبصر الحقّ والمستقبل؛ وفي مخرز يعتريه صدأ محتوم، إذْ يهبط إلى حمأة الباطل والماضي.

الأحد، 2 يونيو، 2013

سمير قصير: ذكرى شهيد سوري

 منذ 2/6/2005، تاريخ اغتيال سمير قصير، المؤرخ والكاتب والصحافي اللبناني (الفلسطيني الأصل، لأمّ سورية)، لا تمرّ هذه الذكرى المشؤومة إلا وتضيف جديداً، أو لعلّها تشدّد على قديم يُعاد إنتاجه، أو ترتبط على نحو أوثق، بالسياقات التي اقترنت بتلك الجريمة؛ ليس لبنانياً، فحسب، بل عربياً أيضاً، وفلسطينياً وسورياً بصفة أخصّ. كذلك فإنها ذكرى يندر أن تمرّ دون مقدار من الاصطراع الجدلي بين تحقُّق بعض أحلام قصير وآماله، من جهة؛ وانكسار بعضها الآخر، أو الردّة فيها وعليها أحياناً، من جهة ثانية.

وها أنّ سنة ثامنة على غياب قصير، تبدأ اليوم في غمرة مشهد لبناني بائس، سياسياً أوّلاً (ليست أسوأ مظاهره حكاية التمديد للمجلس النيابي، واستدارة بنادق "حزب الله" من الجبهة مع العدوّ الإسرائيلي إلى قتال الشعب السوري دفاعاً عن نظام آل الأسد)؛ ثمّ على أصعدة أخرى، اجتماعية وثقافية وأخلاقية وطوائفية (ليس أسوأها، هنا أيضاً، مشروع قانون اللقاء الارثوذكسي، أو المواقف العنصرية تجاه النازحين السوريين في لبنان). غير أنّ نهار اغتيال قصير كان قد انقضى والآمال ضئيلة في صعود معارضة عربية، جديدة ومستنيرة، مثقفة وعصرية؛ و"أوان الورد"، الذي ترقبه الراحل بشغف ولهفة وثقة، بدا مؤجلاً حتى إشعار آخر طويل، ليس في بلدان مثل تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، وحدها، بل في سورية أوّلاً، وربما أساساً من وجهة نظر قصير. فهل انكسرت الأحلام، حقاً؟ وهل تبددت الآمال، كلّها؟

هي ذكرى تذكّر، أيضاً، بأنّ درس الاغتيال الأوّل ـ الأكبر والأبسط، في آن ـ كان إسكات قلم جسور ترتدي كتاباته، وما تصنعه من أواليات وعي واحتجاج ومقاومة، أهمية ستراتيجية تعادل، أو لعلها تفوق، كلّ منتجات التكتيك الصغيرة. لهذا لم يكن اغتيال قصير محض تمرين في الثأر أو التأديب أو تلقين الدروس، بل كان تنبيهاً بربرياً إلى حقيقة أنّ الإطاحة برأس أمني هنا أو تبديل آخر هناك، لا تعني أنّ الوحش قضى أو تمّ ترويضه. الوحش، في الواقع، ظلّ حيّاً يسعى ويفخخ ويقتل، في توقيت محسوب أُريد منه أن يبعث أبلغ الرسائل، وأن يلحق أفدح الأضرار حيث ينبغي؛ وبقي سؤال "عسكر على مين"، عنوان كتاب شهير للراحل ضدر مطلع 2001، يفيد التالي: عسكر على الآمنين!

هي، ثالثاً، ذكرى آمال داعبت الراحل، مثل كثير من اللبنانيين والسوريين، بأنّ الأقنعة قد سقطت عن الوجوه، فباتت مكشوفة ظاهرة للعيان، أضعف من ذي قبل، بل أضعف كثيراً؛ دون أن يعني هذا أنّ النظام الأمني لن ينتقم، ولا حظوا استخدام الراحل لهذه المفردة تحديداً: ينتقم! ففي مقال بعنوان "وسقط القناع"، نُشر قبل أسابيع قليلة من جريمة الاغتيال، اعتبر قصير أن "بعض رموز الطوفان المخابراتي" سوف تحاول "شراء المزيد من الوقت"، و"قد يسعى النظام الأمني مرّة جديدة إلى الانتقام"، و"لكنّ شيئاً لن يقدر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لقد ذهب النظام الأمني. فليكن ذهاباً من دون رجعة".

وبالمعنى العامّ لحركة التاريخ، لا ريب في أنّ عقارب الساعة لن تُعاد إلى الوراء، بالقياس إلى ما تمّ إنجازه على أكثر من صعيد سياسي، بما في ذلك انسحاب النظام السوري عسكرياً من لبنان. غير أنّ الصعيد الأمني لم يشهد تحرّك عقارب الساعة إلى الأمام، لكي يُقال إنها لن تعود إلى الوراء في عشرات الملفات، وبينها بالطبع مسلسل التفجيرات وعودة الاغتيالات. وإذا كان ما يشبه "الهجوع" الأمني قد طبع الأسابيع القليلة التي أعقبت اغتيال قصير، لأسباب التقاط الأنفاس وامتصاص الصدمات قبل تنظيم القوى من جديد، فإنّ ذلك الهجوع انقلب إلى استفاقة عنفية طاغية، وتعاقبت عمليات الاغتيال، وعلى منوالها تسارع سقوط الأقنعة. هنا، أيضاً، توجّب أن تتصف الحال بمقادير من جدل الاصطراع: بين عدوان إسرائيلي وحشي على لبنان، صيف 2006، و"غزوة" أنصار "حزب الله" في بيروت، ربيع 2008؛ وبين "مقاومة" لا هدف لها سوى الدفاع عن لبنان ضدّ إسرائيل، و"المقاومة" ذاتها وقد اختزلت إسرائيل إلى بقعة جغرافية صغيرة اسمها "القصير" السورية!

ويبقى من باب تحصيل الحاصل أن يربط المرء بين اغتيال قصير، وسلسلة المواقف الصائبة والشجاعة التي عبّر عنها بصدد تلازم مسارات التحوّل الديمقراطي في سورية ولبنان، على نقيض تلازم المصالح بين النظام الأمني اللبناني وسيّده النظام الأمني السوري، أو: "اللبنانية ـ السورية للتلازم والعلاقات المميزة، شركة غير محدودة اللامسؤولية"، كما أسماها الراحل ساخراً. لهذا فإنّ الانتقام لم يستهدف رمزاً سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً أو طائفياً، بل ضرب حيث ينبغي للرسالة أن تكون مدوية: في قلب الأوساط التي لن يكفيها انسحاب القوّات السورية (وبقاء الأمن السوري هنا وهناك، قوياً مهيمناً)، ولن يرضيها قرار يستبدل هذا المسؤول الأمني أو ذاك (ويُبقي شبكات الولاء على حالها، في باطن الجهاز).

أجدني إذاً، كما فعلت سنة 2011، أستأذن شهداء الانتفاضة السورية في ضمّ شهيد إلى قوافلهم، لم يسقط على ثرى سورية، بل اغتيل لأنه اعتبرنا أبناء وطنه الثاني، وشاطرنا الآمال والآلام، وتلمّس معنا مفردات المستقبل الأفضل.

الأحد، 26 مايو، 2013

نصر الله بين أسدَين

 في تسجيل قديم العهد، ظلّ نادراً حتى جعلته الأحداث الأخيرة شائعاً ومتوفراً، يردّ حسن نصر الله، الأمين العام لـ"حزب الله"، على سائل يسأل عن شكل نظام الحكم الذي يريده الحزب في لبنان، "حسب وضع البلد وتعدد الطوائف"؛ فيقول (وننقل بالحرف، حتى حين يجنح نصر الله إلى العامية): "بالنسبة لنا، ألخّص: في الوقت الحاضر ليس لدينا مشروع نظام في لبنان. نحن نعتقد بأنّ علينا أن نزيل الحالة الاستعمارية والإسرائيلية، وحينئذ يمكن أن يُنفّذ مشروع، ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان، ونائبه بالحقّ الوليّ الفقيه الإمام الخميني".

وفي الردّ على سؤال ثانٍ، حول علاقة "حزب الله" بالثورة الإسلامية في إيران، يقول نصر الله: "هذه العلاقة، أيها الأخوة، بالنسبة لنا أنا واحد من هؤلاء الناس الذين يعملون في مسيرة 'حزب الله'، وفي أجهزته العاملة، لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لديّ يقين وقطع في أنّ هذه الأجهزة تتصل، عبر مراتب، إلى الولي الفقيه القائد المبريء للذمة الملزم قراره. بالنسبة لنا هذا أمر مقطوع ومُطْمَأن به. التصريحات الدبلوماسية والسياسية ليست هي الأساس في هذا المجال، يعني ليس طبيعياً أن يقف آية الله كروبي ويقول نعم 'حزب الله' هنن جماعتنا في لبنان. سياسياً هيدا مش صحيح، إعلامياً مش صحيح. على مستوى العلاقة العضوية والجوهرية مع قيادة الثورة الإسلامية في إيران وولاية الفقيه، هذه المسألة بالنسبة لنا أمر مقطوع به، وهذه المسيرة إنما ننتمي إليها ونضحي فيها ونعرّض أنفسنا للخطر لأننا واثقون ومطمئنون بأنّ هذا الدم يجري في مجرى ولاية الفقيه".

سؤال ثالث، يستفسر عن التالي: "مَن أعلم بالحالة السياسية ومتطلباتها في لبنان"، فيجيب نصر الله، بنبرة جازمة وعصبية، بعد أن يلقي بورقة السائل على الطاولة أمامه: "الأعلم هو الإمام الخميني! لماذا؟ لأنني سابقاً ذكرت بأنّ الحالة السياسية في لبنان ليست حالة معزولة عن حالة المنطقة. هي جزء من حالة الصراع في الأمّة، هي جزء من وضع الأمّة، فكما أنّ إمام الأمّة يعرف هذا الجزء، يعرف هذا الجزء (...) الإمام الذي يخطط، هو يخطط للأمّة. المجتهدون تأتي أدوارهم في كلّ بلد، مكمّل [كذا] لخطّ الإمام، ولمشروع الأمّة الإسلامية الواحد. فلا يجوز أن نجزيء صراع الأمّة مع أعدائها، ما دام الأعداء يخوضون صراعاً واحداً مع الأمّة، فيجب أن يكون [كذا] إدارة الأمّة في صراعها واحدة، وهي من خلال الإمام".  

ولقد استجازت السطور السابقة اقتباس ثلاث إجابات من حديث نصر الله، لأنها إنما تردّ حاضر أفكار الأمين العام لـ"حزب الله" إلى ماضي تلك الأفكار، حين كان أحد الكوادر الشابة الطالعة، والمبشّر الأبرز بخطّ التشدد في العلاقة "الجوهرية" و"العضوية" مع الوليّ الفقيه، ومشروع "دولة صاحب الزمان". هذا فضلاً عن اعتماد خطاب مزدوج بصدد تلك العلاقة، ومشروع الحزب في لبنان: أوّل، للإعلام والسياسة، يتفادى تبيان ارتباط الحزب بالوليّ الفقيه؛ وخطاب ثانٍ، داخلي وعقائدي، يؤكد أنّ العلاقة "أمر مقطوع ومُطْمَأن به". وفي خطاب الأخير جدد نصر الله التشديد على تلك الأفكار، بعد طول غياب في الواقع، على خلفية تدخّل "حزب الله" العسكري في بلدة القصير السورية، واعتبارها "جبهة" من جبهات الحزب، وله ستُعقد راية النصر فيها: "نحن أهل ورجال معركة القصير وصنّاع انتصاراتها"!

والحال أنّ المرء يحتاج إلى قرابة ثلاثة عقود خلت لكي يقع على نظير لهذه البرهة من تطابق المصالح، وربما المصائر أيضاً، بين النظام السوري وإيران/ "حزب الله"؛ وذلك في سنة 1984 حين زار علي خامنئي دمشق (وكان، يومذاك، رئيساً لإيران)، على رأس وفد عُدّ الأرفع منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران. وتلك مناسبة دشّنت إخضاع "حزب الله" لمقتضيات المصالح المشتركة للنظام السوري وإيران في لبنان، إذْ قام العقيد شيرازي، قائد الجيش الإيراني آنذاك، بزيارة خاطفة إلى البقاع، فأبلغ قيادة الحزب بضرورة الامتثال التامّ لسياسات سلطات النظام السوري على امتداد الأراضي اللبنانية. الفارق، بين أمس واليوم، هو أنّ حافظ الأسد ظلّ يلاعب طهران دون أن يسمح لها بالتوغل، أكثر ممّا ينبغي، في ملاعبه؛ وكان يحظر، بشدّة، أي تبشير شيعي داخل طوائف سورية المسلمة، وخاصة الطائفة العلوية، لأنه رأى في التشيّع خطراً مباشراً يمسّ أحد التوازنات الاجتماعية ـ السياسية الحساسة التي أقام عليها سلطة "الحركة التصحيحية".

امتياز نصر الله، على سابقيه من قادة "حزب الله"، أنه عاصر أسدَين، الأب والوريث؛ وتعامل مع سياستَين، التصلّب والارتخاء؛ فضلاً عن أنّ الأب لم يواجه انتفاضة شعبية عارمة، كهذه التي تعصف اليوم بنظام الابن. ولهذا فإنّ تدخّل "حزب الله" في القصير ليس غزواً لسورية، وحرباً ضدّ شعبها، فحسب؛ بل هو صفعة جديدة مزدوجة، لـ"الحركة التصحيحية" أسوة بجيش النظام (الموعود بانتصار يصنعه له الغزاة)، تأتي هذه المرّة من... مقاتلي الوليّ الفقيه!